أحمد مصطفى المراغي

17

تفسير المراغي

بينه اللّه بقوله ( وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) ثم بين أن فريقا منهم آمنوا إيمانا صادقا وعملوا الصالحات فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وتوعدهم بالأجر العظيم يوم القيامة الإيضاح ( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) أي فبسبب ظلمهم استحقوا تحريم طيبات كانت محلّلة لهم ولمن قبلهم عقوبة وتربية لهم ، لعلهم يرجعون عن ظلمهم ، وكانوا كلما ارتكبوا معصية يحرم عليهم نوع من الطيبات وهم مع ذلك كانوا يفترون على اللّه الكذب ، ويقولون لسنا بأول من حرمت عليه ، بل كانت محرمة على نوح وإبراهيم فكذبهم اللّه في مواضع كثيرة كقوله : « كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ » . أما الطيبات التي حرمها عليهم فهي ما بيّن في قوله عزّ اسمه « وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ » الآية . وقد أبهمها اللّه هنا ، لأن الغرض من السياق العبرة بكونها عقوبة ، لا بيانها في نفسها ، كما أبهم الظلم الذي كان سببا في العقوبة ، ليعلم أن أىّ نوع منه يكون سببا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة . والعقاب إما دنيوي كالتكاليف الشاقة زمن التشريع ، والجزاء الوارد في الكتب على الجرائم كالحد والتعزير وما اقتضته السنن التي سنها اللّه في نظم الاجتماع من كون الظلم سببا لضعف الأمم وفساد عمرانها واستيلاء الأمم الأخرى عليها ، وإما أخروىّ وهو ما بيّنه في الكتاب الكريم من العذاب في النار . ثم بين هذا الظلم وفصله بعد ذكره إجمالا ، ليكون أوقع في النفس ، وأبلغ في الموعظة . ( وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ) الصدّ والصدود : المنع ، وهو يشمل صدهم أنفسهم عن سبيل اللّه بما كانوا يعصون به موسى ويعاندونه مرارا ، وصدّهم الناس عن سبيل اللّه بسوء القدوة ، أو بالأمر بالمنكر والنهى عن المعروف .